بعد 25 عاماً من الخبرة في قمرة القيادة، أصبحت علاقتي بالطيران شيئاً أعمق بكثير مما كانت عليه في البداية. ما بدأ كشغف بالطيران تحول إلى سعي دائم نحو الإتقان. لم أعد مجرد طيار يُحلّق بالطائرة، بل أصبحت أعيش كل لحظة، وأتعامل مع كل ضابط وكل تيار هوائي بهدف واحد: تحقيق الرحلة المثالية في كل مرة أُحلّق فيها.

فن الحضور في قمرة القيادة

لطالما كان الطيران مزيجاً من الخبرة التقنية والغريزة البشرية، ولكن مع مرور الوقت، أدركت أن هناك مستوى أعمق من هذا الفن. فقمرة القيادة الحديثة، المليئة بالتكنولوجيا المتطورة، قد تبعد الطيار أحياناً عن متعة الطيران الحقيقية. هدفي الآن هو سد هذه الفجوة بأن أكون حاضراً ليس فقط جسدياً، بل ذهنياً وعاطفياً، في كل ثانية أقضيها في الأجواء.

كل مرحلة من مراحل الرحلة، سواء كانت الإقلاع، التحليق على ارتفاع 35,000 قدم، أو الهبوط الدقيق، هي لحظة أستمتع بها. اكتشفت أنه من خلال إبطاء الوتيرة والتركيز على كل جانب من جوانب الرحلة، أتمكن من ملاحظة تفاصيل دقيقة لم أكن لألاحظها من قبل. إحساس التحكم، استجابة الطائرة، والتفاعل بين الرياح والأجنحة، كل هذه إشارات، عند الانتباه إليها، ترفع من أدائي وتعزز فهمي للطائرة التي أقودها

السعي إلى الكمال في كل تفصيلة

الكمال في عالم الطيران لا يتعلق فقط بتنفيذ إقلاع أو هبوط سلس. بل هو إتقان كل تفصيلة، وكل قرار، وكل استجابة بأعلى مستوى ممكن. على مر السنين، طورت قدراتي على التنبؤ بتغيرات الطقس، تحسين استهلاك الوقود، وتحقيق السلاسة في كل مناورة. ولكن ما يدفعني فعلاً هو التزامي المستمر بتحسين نفسي.

كل رحلة هي فرصة لتطبيق خبرتي المكتسبة وفي نفس الوقت تعلم شيء جديد. أقوم بمراجعة أدائي بدقة، سواء من خلال تعليقات الزملاء أو من خلال تحليل بيانات الرحلة. هذا الالتزام يضمن أنني لا أعتمد فقط على الخبرة، بل أستخدمها فعلياً لتطوير مهاراتي.

اتصال أعمق بعالم الطيران

ما يجعل هذه المرحلة من مسيرتي المهنية مُجزية بشكل خاص هو الرابط الذي شكلته مع عالم الطيران ذاته. لم أعد أرى نفسي مجرد طيار، بل كوصي على فن الطيران. هذا التغيير في التفكير عزز تقديري لكل رحلة أقوم بها، سواء كانت رحلة داخلية قصيرة أو رحلة عبر القارات.

من خلال الانغماس في كل لحظة، وجدت إحساساً جديداً بالرضا. لم يعد الأمر يتعلق بالوصول إلى الوجهة فقط، بل يتعلق بالرحلة نفسها – تنسيق جميع العناصر التي تساهم في رحلة مثالية. هذا النهج المتجدد سمح لي باكتشاف أعماق جديدة في مهنتي وتحقيق مستوى من التميز كنت أعتقد سابقاً أنه بعيد المنال.

مشاركة الحرفة

بعد 25 عاماً في هذه الصناعة، اكتسبت ثروة من المعرفة التي أرغب في مشاركتها مع زملائي الطيارين ومحبي الطيران. أؤمن أن الإتقان لا يتعلق فقط بالإنجاز الشخصي، بل يتعلق أيضاً بالمساهمة في مجتمع الطيران بشكل أوسع. سواء كان ذلك من خلال توجيه الطيارين الجدد، التحدث في الفعاليات الصناعية، أو التواصل مع عشاق الطيران، فأنا ملتزم بنقل ما تعلمته.

الطيران أكثر من مجرد مهنة – إنه نداء. ولمن هم شغوفون بالأجواء، هناك دائماً المزيد لنتعلمه، المزيد لنختبره، والمزيد لنُتقنه. لهذا السبب، سأستمر في التعامل مع كل رحلة بمنظور جديد، أستقبل كل لحظة كفرصة لرفع مستوى حرفتي إلى أقصى حدودها.